تشهد الساحة العراقية تصاعداً غير مسبوق في استخدام الآليات القانونية لتضييق الخناق على النشطاء والفاعلين السياسيين، في ظاهرة تكشف عن تحول خطير في العلاقة بين السلطة القضائية وحرية التعبير. ففي ظل عودة القوى المسلحة إلى واجهة التمثيل النيابي بعد الانتخابات الأخيرة، تحولت الدعاوى الكيدية إلى سلاح فعال لـ "صيد" المنتقدين، بناءً على منشوراتهم وآرائهم الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي.
هذا التحول، الذي يهدد بتقويض ما تبقى من مساحة للعمل المدني، يتجلى بوضوح في قرار قضائي مثير للجدل، يكشف عن ازدواجية في التعامل مع ملف حرية التعبير، حيث تتأرجح المؤسسة القضائية بين تأكيد حماية الحقوق الدستورية وتوفير الغطاء القانوني لملاحقة المعارضين.
تهم جزائية على خلفية "رأي شخصي"
القاسم المشترك بين موجة الاعتقالات والملاحقات الأخيرة هو أن التهم الجنائية جاءت على خلفية آراء شخصية منشورة إلكترونياً، مما يوسع دائرة التجريم لتشمل التعبير السلمي. وتتنوع التهم، لكنها تتقاطع في استهدافها للنشاط المدني والسياسي المعارض:
- نورس ستار: اعتُقل في كربلاء بتهمة "التحريض على التطرف" بسبب منشور، قبل الإفراج عنه بكفالة.
- حسين الغرابي: صدر بحق الأمين العام لحزب البيت الوطني أمر قبض في الناصرية بتهمة "تهديد قلب نظام الحكم" وفق المادة 197، التي تصل عقوبتها إلى الإعدام.
- غانم خالد: اعتُقل وتعرض لظروف اعتقال غير إنسانية، واحتُجز مرتين قبل الإفراج عنه مطلع الأسبوع الماضي.
- نشوان ناهي: واجه أربع دعاوى، توزعت بين "الإساءة للمذهب والدين" و"انتقاد قادة الإطار التنسيقي"، استنادًا للمادة 372 الخاصة بازدراء الأديان.
هذه الوقائع تؤكد أن "موسم الصيد" يتم عبر تكييف نصوص قانونية فضفاضة، بعضها موروث، لمعاقبة التعبير عن الرأي، مما يضع النشطاء أمام خيارين: الصمت أو السجن.
تحصين "شرعية النظام السياسي"
في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، منح القضاء العراقي الادعاء العام صلاحية تحريك دعاوى جزائية بحق كل من "يمس أو يحرّض على شرعية النظام السياسي"، وذلك بناءً على طلب مباشر من مستشارية الأمن القومي.
هذا القرار، الذي يخلط بشكل خطير بين حماية "الدولة" وحماية "النظام السياسي" القائم على المحاصصة، يمنح الادعاء العام سلطة واسعة للتدخل في القضايا التي كانت تُعتبر في السابق من اختصاص الشكاوى الفردية أو التي تتطلب أدلة مادية على التهديد الأمني الفعلي. وهو ما يعكس تبني المؤسسات الحكومية، الواقعة تحت تأثير المحاصصة الحزبية، لإجراءات تتماشى مع إرث التضييق والقمع.
ويعكس تصريح أحد مسؤولي القوى النافذة، ريان الكلداني، بأن "أي جهة تحاول التآمر على النظام السياسي ستواجه أجهزة أمنية غير مرتبطة بالأحزاب"، هذا الخلط الخطير، حيث يتم تبرير استخدام أجهزة الدولة لحماية نظام سياسي محدد، مما يرسخ الازدواجية في التعامل مع مفهومي الدولة والنظام.
التراجع الشكلي مقابل الإبقاء على الجوهر
يكشف كتاب رسمي صادر عن رئيس هيئة الإشراف القضائي عن حالة من الازدواجية والتعامل المنفرد في اتخاذ القرارات داخل المؤسسة القضائية، حيث تم توجيه عقوبة إلى القائم بمهام مدير مكتب رئيس مجلس القضاء الأعلى، السيد كرار عبد الأمير، بسبب صياغة كتاب سابق.
نص العقوبة يكشف عن التناقض:
إلى\ السيد كرار عبد الأمير - القائم بمهام مدير مكتب رئيس مجلس القضاء الأعلى الموضوع \عقوبة
ثبت من خلال التحقيق الذي أجري معك بخصوص تنظيم وتوقيع الكتاب المرقم( 1223 \مكتب \2025 ) المؤرخ في 26\11\ 2025 الموجه إلى رئاسة الادعاء العام بعنوان الإجراءات القانونية بشأن التصريحات الإعلامية الداعية لإسقاط النظام السياسي إنك اجتهدت في اختيار العبارات والصياغة خلافا لما ورد في مطالعة السيد رئيس هيئة الإشراف القضائي وبدون عرض الكتاب و أخذ موافقة السيد رئيس مجلس القضاء الأعلى الأمر الذي تسبب سوء فهم من اطلع على مضمونه وبما يخالف رأي وتوجه مجلس القضاء الأعلى القائم على أساس احترام وحماية حرية التعبير عن الرأي المكفولة بموجب الدستور والذي تم التأكيد عليه في أكثر من مناسبة الأمر الذي اقتضى بتوجيه عقوبة لكن وفي حال تكرار هذا الخطأ سوف يتم إعفائك من المنصب المكلف به
القاضي ليث جبر حمزة رئيس هيئة الاشراف القضائي التاريخ ١١\١٢\٢٠٢٥
تحليل الوثيقة:
- 1. الاعتراف بالخطأ الشكلي: يعاقب القضاء المسؤول الإداري لأنه "اجتهد في اختيار العبارات والصياغة" ووقع الكتاب "بدون عرض الكتاب وأخذ موافقة السيد رئيس مجلس القضاء الأعلى". هذا يشير إلى وجود انفراد في اتخاذ القرارات وتجاوز للصلاحيات الإدارية.
- 2. التناقض الجوهري: يبرر كتاب العقوبة الإجراء المتخذ ضد المسؤول بأن صياغته "تسبب سوء فهم" و "يخالف رأي وتوجه مجلس القضاء الأعلى القائم على أساس احترام وحماية حرية التعبير عن الرأي المكفولة بموجب الدستور. هذا التبرير يمثل تراجعاً شكلياً عن الصيغة القاسية التي استخدمها المسؤول (التي كانت تتعلق بـ "إسقاط النظام السياسي).
3.الإبقاء على القرار الأساسي: رغم معاقبة المسؤول على صياغته التي "تتنافى مع حرية التعبير"، فإن القرار الأساسي الذي منح الادعاء العام صلاحية تحريك الدعاوى الجزائية ضد من يمس "شرعية النظام السياسي" لم يُلغَ. هذا التناقض يكشف عن محاولة للموازنة بين الحفاظ على واجهة تحترم الدستور وحرية التعبير، وبين الإبقاء على آلية قانونية فعالة لقمع المعارضة.
تجميد مساحة النقد
إن هذا التكتيك المزدوج، الذي يجمع بين تفعيل الدعاوى الكيدية ضد النشطاء وتوفير غطاء قضائي لتحصين "النظام السياسي"، يهدف إلى تجميد مساحة النقد وتخويف الفاعلين السياسيين. فبينما يهدد نواب ومتحدثون باسم الإطار التنسيقي المنتقدين بالسجن، فإن المؤسسة القضائية، عبر قراراتها المزدوجة، تمنحهم الأدوات القانونية اللازمة لتنفيذ هذه التهديدات، مما يعيد فتح النقاش حول الخط الفاصل بين حماية أمن الدولة والحفاظ على سلطة الأحزاب.
احموا المدافعين عن حقوق الإنسان في العراق الان!
