لم تكن قضية إلغاء حفل الفنان محمد عبد الجبار في البصرة الأولى؛ فلطالما شكّلت قدسية المدن والعادات والتقاليد والشعائر الدينية حاجزاً أمام أي مساحة للتنوع والاختلاف. ومع تنامي نفوذ الجماعات المتشددة، أصبحت إقامة أي فعالية فنية تمرّ عبر بوابة الإذن المسبق، بينما كانت كفة “القدسية” هي الراجحة دائماً في مواجهة الحياة والحريات العامة.

إليك أبرز حالات الإيقاف :

  1. كربلاء – 2019
    عقب افتتاح بطولة غرب آسيا في ملعب كربلاء الدولي، والذي تضمن عزف فتاة للنشيد الوطني ورقص بعض السيدات، تفجّر جدل واسع وصل إلى رفع دعوى قضائية على اتحاد الكرة من ديوان الوقف الشيعي. كما صدرت تعليقات سياسية ودينية رافضة، أبرزها من رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي الذي اعتبر ما حدث “تجاوزاً لحرمة كربلاء”.
  2. بابل – 2021
    تم إلغاء الفعاليات الغنائية في مهرجان بابل للثقافة والفنون بدعوى عدم انسجامها مع قدسية المدينة. وقد رافق ذلك وقفات لطلبة العلوم الدينية، وضغوط وتهديدات بقطع الطرق المؤدية للمهرجان، ما دفع محافظ بابل آنذاك حسن منديل إلى إيقاف الفعاليات حفاظاً على الأمن.
  3. بغداد – كانون الأول 2021
    أُلغيت حفلة تعاقدت عليها شركة السندباد لاند مع شركة موسيقية مصرية، بعد احتجاجات لقوى دينية أمام المجمع الترفيهي، إضافة إلى دعوات من بعض رجال الدين ضد الفنان المدعو.
  4. بغداد – حزيران 2022
    تم إلغاء حفلة جديدة في السندباد لاند بعد اقتحام المجمع من قبل محتجين ورجال دين، وإقامة صلاة جماعية داخله رفضاً لإقامتها. اضطُر المنظّمون لتأجيل الفعالية ثم إلغائها، مع إجبار المجمع على التعهد بعدم تنظيم أي تجمع غنائي لاحقاً لأنه “يمس قدسية المدينة”، رغم إعلان وزارة الثقافة دعمها للعروض الفنية الرصينة التي تراعي الذوق العام.

عودة التحريض مع صعود المتشددين – 2025

ورغم بروز فرصة لإقامة حفلات وتجمعات فنية ، إلا أن صعود قوى دينية متشددة إلى برلمان 2025 أعاد صوت التحريض بقوة. ففي ذي قار، تعرض حفل موسيقي لحملة شديدة رغم إقامته، تبعها إعلان مجلس المحافظة عن اجتماع لضبط “الفعاليات الماجنة” بعد انتهاء حفل الناصرية.

البصرة – 2025

نجحت حملات التحريض في إلغاء حفلين في البصرة، قادها المرشح الخاسر عن منظمة بدر، المحامي ضرغام البعاج الذي رفع دعوة على الفنان لإقامته حفل غنائي في البصرة بوصفه فعل إجرامي مخالف للشعائر ، عبر منشورات تعبّئ الشارع وتهدد بالهجوم المسلح. الفنان محمد عبد الجبار نشر رسائل تهديد وصلته، من بينها تهديد بإطلاق النار على الجمهور، مؤكداً استلامه أكثر من 490 رسالة مشابهة.

تداعيات هذا التحول

هذا التصاعد في العنف والتهديد مع صعود جماعات دينية ومسلحة متشددة يشير إلى محاولة واضحة لاختطاف الفضاء العام وفرض صبغة أحادية على المجتمع. وتزداد المخاوف من المستقبل في ظل غياب أي استجابة أمنية أو قضائية للدعاوى المقدمة بشأن التهديد والابتزاز التي تطال الأفراد والمنظمين.

إن الربط بين توسع نفوذ التيارات المتشددة داخل البرلمان وتنامي الخطاب المؤدلج يظهر بوضوح في التوقيت؛ فبعض النواب الجدد يملكون تاريخاً طويلاً في استهداف الحريات العامة، واليوم يسعون لإعادة إنتاج نفوذهم عبر تغذية الخوف المجتمعي وتعزيز رهاب الاختلاف.

وعليه، فإن هذه الحملات المتكررة تعيد التذكير بأن العراق دولة ديمقراطية تعددية، ودستوره واضح في حماية حقوق جميع المواطنين، ولا يسمح بفرض نموذج أحادي على مجتمع يتجاوز تعداده 40 مليوناً. كما أن قانون العقوبات ذاته يجرّم كل محاولة لاستخدام القوة أو الإرهاب أو الوسائل القسرية لهدم النظم الأساسية للمجتمع.

حملة احموا المدافعين عن حقوق الإنسان في العراق الان !